ابن سبعين

251

بد العارف

المشهورة والعالم الأول ، وما دام الانسان في عالم الشهادة الهيولاني . وأما العوالم الروحانية فالقول فيها غير الذي أنا ذاكره لك وعند ذكر بعض انموذجه يتبين لك في ذلك الحق . ولو شرع المحقق في بث الاسرار على كل شيء يراه ويسمعه لهلك ولأهلك ، وذلك ان الأمور المألوفة هي طبيعة الناس والجمهور . والذي عند المحقق هو من الأمور التي ليست من جنس ما يكتسب . مثال ذلك لو قال أحد : المحقق يبصر على خمسة أيام ، والذي تستبطنه الأرض لأنكر عليه ذلك جميع الناس . وهذا هو المشهور عند المحققين مثل المحسوس عند الجمهور . وانظر إلى عمر رضي الله عنه حين قال « يا سارية الجبل » « 1 » . وذلك ان البصر هو من اعراض القوة الباصرة ، وهو مبثوث في عين الباصر انما هي في الموضوع الهيولاني ، والعين التي ذكرتها لك عند المحققين هي البصيرة . وموضوعها العقل المستفاد ، وغرضها مبثوث في صورة التحقيق . فمن انسدت بصيرته عمي عن مدركها وادراكها . ومن تخلصت بصيرته بصر وشاهد المشاهد العظيمة . والحال فيها على الجملة كالحال في البصر المحسوس لا غير . وجميع الجمهور لا يقول بحاسة البصيرة ولا يصدق بها الا انها عسيرة التحصيل ومما لا يمكن ادراكها الا بالبحث والنظر ، وبالجملة لا يقول بها منهم الا القليل والأكثر منهم مكذب لها . وهؤلاء قد جهلوا السعادة الانسانية وحرموا أنفسهم الخير المحض . والنبوة لم ترسل الا بتعليم هذه الحاسة القلبية وبينت أنموذج ذلك وأظهرته للعيان . والعاقل يعلم من حالها انها لم تطالع العلوم ولا بصرت المغيبات بحاسة البصر . وانما كان الباصر منها عين القلب في لوح الملكوت وجميع ما جاءت به معجز ، عجّز جميع من جاء في عصرها ، وما من علم الا وهي تعلمه على أتم ما وضع له وأريدت به وهي على الاطلاق غير عاجزة . وما يعلمه

--> ( 1 ) - راجع حول ذلك كتاب اللمع للسراج ص 125 .